سَادِنُ الْمِرْبَدَينْ
اللغة الشاعرة و
الموسيقى النادرة
الأستاذ الدكتور المبرَّز، عبد المالك الشامي المميز
كتب
عبد الكريم الوزاني
الفضيلة تدل
بغير لبس على الصفة الشريفة في الإنسان، كما يقول عباس محمود العقاد. وما بين أبجدية
اللغة ونوتة الموسيقى، يوجد عمل نافع ينعش الفضيلة ويرقى بصاحبها لملكوت الإنسان.
وكذلكم عودنا الأستاذ عبد المالك بمعية أخيه الأستاذ عبد السلام (زنبيل الموسيقى
الأندلسية)، وتشجيع وحفاوة والديهما المباركين، تغمدهما الله برحمته، على تذوق
الموسيقى الأندلسية والتملي بقطوف بواكير أشعارها.
كان ذلك في فترة لم يكن يسمح لنا فيها حتى بالتحدث في الموسيقى أو عنها،
والحالة أن أحد أعمامي، وهو يتابع دراسته بما كان يعرف بالقسم النهائي بالقرويين، دأب
على دعوة أصدقائه من العلماء خلال فترة العطل، للاستجمام بالبادية، بحدائق العائلة
الشاسعة الرحاب، الوارفة الظلال، دون أن يُسمح لنا بصيغة أو أخرى، بالاقتراب من
مجالسهم. وبالرغم من ذلك، كنا نسترق السمع في غفلة وهم منشغلون بالدردشة والدندنة،
في الوقت الذي كان فيه والد ووالدة الشاميين، يفسحان لنا رحاب القلب قبل رحاب الدار، وحظوة التلقائية، قبل
أجواء الموسيقى الأندلسية. فتخْبت لهما أفئدتنا الشابة، ويطمئن برحابهما مزاجنا
المتعطش...
بهذه الحقبة الجميلة، فترة الرخاء الحضاري ـ
المعرفي، والاتزان الحداثي الفكري، كان يجمعنا بين الفينة والأخرى، بيت آل الشامي،
الذي كان على فساحته يكاد يضيق بحضور نخبة المدينة، شيوخا وشبابا، ليشهدوا لهم
جلسة إمتاع مع عميد الموسيقى الأندلسية، الحاج عبد الكريم الرايس، متصدرا جوقته
العتيدة، الزاخرة بكبار العازفين والمنشدين، وهو يرقِّص ربابته على فخده، فتوقف كل
الآلات من حوله عن العزف، إلى أن تنتهي نبرة القفلة من الوصله، في انحناءة الكبير
لمن هو أكبر منه، بدءا بامحمد بوزوبع، الملقب بالمارشال، على العود، وقوفا عند الحاج
أحمد التازي لبزور، على الكمان، ومشاركة شاميتان في عمر الزهور، أختا صديقنا الأستاذ عبد المالك، في جلسة فنية باذخة، تنشدان
من درج نوبة العشاق، ببحر الكامل، بصوت جهوري، تتمايل له أجسام الشيوخ من الحضور،
في هالة من وقار، ونغم مدرار:
ما هب ريح القــــــــرب للمشتاق *** إلا
شكا من لوعــــــــــة الأشواق
هبت عليه نـــــــــــــسيْمة سحرية *** ما
فـاق إلا وهـــــــــو في الآفاق
ملقى على فرش السقام من الضنى***يبكي الدماء بدمـــــــــعة المهراق
إن كـــــــانت العشاق من أشواقهم*** جعلوا النــسيم إلى
الحبيب رسولا
فأنا الذي أتـــــــــــلو لهم يا ليتني *** " كنت اتخذت مع
الرسول سبيلا "
ويتبختر وقع الصدى، ورَجعه، عندما تصدحان
بانصراف ابطايحي العشاق:آه يا سلطاني
اسقني الحميا شعشعـتني إنها تروي
إنها تدني ...
فترى القوم سكارى، وما هم بسكارى، في تهافت ما بين صيغة
تحويل الفعل، واقتفاء المعنى، إلى مجارات الوصلة وإيقاعها.
إنَّ الزَّمَانَ إذَا يَنْسَى، فَذَاكِرَتِي
خَـلِيَّةٌ، رَافِدَاهَا الدَّهْرُ وَالْأبَدُ
لقد أتيحت
لي فرصة الاستماع وتمعن الموسيقى السيمفونية، في أجواء من الهدوء والسكينة، بديار
العم سام، بفضل المتطوعين من الذين كان بينهم، من يتنازل لصالحي على تذكرة الدخول
لمتابعة العروض، بسبب النفاذ المبكر لتذاكر الموسم. وهو ما يتجلى في انعكاس وجه
التطور، بنبذ الارتجال والتعثر. وكم تُقت وحاولت، وما زلت أدعو لإخراج الموسيقى
الأندلسية من البيوتات إلى قاعات العروض المخصصة لذلك، تتميز بنظام صوتي، يغْني عن
ضجيج مكبر الصوت وصخب الحضور، والجمع بين ديدن الماضي ونشوة الحاضر.
وفي هذا
السياق أرى، وكأن الأستاذ عبد المالك الشامي يتساءل ويجيب من خلال مؤلفه "
قطوف وهوامش. ص5"، قائلا: " تعتبر الموسيقى من ضمن المجالات التي
يمكن أن تعكس وجه التطور الحضاري الذي عرفته ذاكرة المكان خلال حقب وجودها
التاريخية غير القصيرة. فهل تعتبر هذه الموسيقى في أصلها فنا واحدا أم أنَّ هناك
فنونا موسيقية تتعدد ألوانها لاختلاف مظاهرها التعبيرية؟ "، وبذلكم يكون أستاذنا
قد أجاد وأثرى، بإجابته من خلال عرضه الموثق بإمعان وإتقان، في وقت تتعرض فيه
الموسيقى حاليا لسوء استخدام، برغم عدد المعاهد وعدد خريجيها من الموسيقيين... في
حين أنها كانت وما زالت تعبيرا، وإنشادا وجوديا، كما هو الحال مع الشعر، من الإلياذة
إلى العمودي.
كان لي شرف المزيد
من تتبع الأستاذ عبد المالك الشامي، كأديب وباحث متخصص، حين التحاقه بالتدريس
بالجامعة. ولأنه بالنسبة لي سادن الموسيقى الأندلسية، فلابد وأن يكون له باع كبير
في اللغة الشاعرية، باعتبار وجه الشبه بين اللغة والموسيقى، ما دام مصدرهما الصوت،
وانتعاشهما التلاقح.
تابعت
باهتمام، مجمل آرائه بشعبة اللغة العربية، وتفاصيل تواصله مع الطلبة، ناهيك عن
إشرافه على أطاريح الدكتورة بين الفينة والأخرى، إبان رحلتي ما بين منطق الأوزان
" الأبجدية " وبراعة الألحان " النوتة " فازددت تعلقا
بأدبياته من خلال ما أخذتُه عنه من ضوابط فنية، وترتيبات تقنية، إلى أن تصفحت بكبير
إمعان، مؤلفه " النقد الأدبي في الأندلس بين النظرية والمصطلح". وَكَمْ
عَـزَّ أقْوَامٌ بِعِـزِّ لُغَاتِ، كما ينشد حافظ إبراهيم. وهو كذلك، عزيز بين
الأنام، فاضل بالكمال والتمام.
وفيما يخص الإنشاد،
وعلاقته بالغناء والإلقاء، يرى حبرنا أن " نظم الشعر، يتبعه بالأصالة إسماعه
إلى الآخرين، على الأسلوب الذي يضمن أن يحدث فيهم التأثير الذي يطلبه الشعر من وراء
نظمه. وقد توسلت العرب إلى ذلك بجملة وسائل، بقيت بعض مصطلحاتها ماثلة تدل عليها
وتكشف عن معانيها. بعضها يدل على العملية بكاملها، وبعضها يدل على بعض صورها
ومراحلها". النقد الأدبي في الأندلس بين النظرية والمصطلح.ص32
ولولا تجانس
اللغة في ألفاظها وتراكيبها مع الطابع الموسيقي، لما تيسر ذلك للشاعر الجاهلي الذي
كان يجهل كتابة الحروف، ولا للزجال الأمي الناظم عن السليقة، من حيث يَمْتح من
رحابة اللغة الأم، ولا أضاف الأخفش بحر المتدارك، السادس عشر، لبحور الخليل بن
أحمد الفراهيدي الخمسة عشر، ولا اتسعت أغراض النظم للحالات النفسية، ولا للعاطفة
الإنسانية، ولما كان الثراء في البناء والغناء، إضافة إلى فنون التوشيح والتسميط والأناشيد
الفردية والجماعية عند أهل الأندلس، ذلكم الزخم الذي ورثته فاس عن جدارة واستحقاق،
وألَّف فيه العديد من الفقهاء والأدباء، وتناوله بالتفصيل الدقيق، تطبيقا وتقعيدا
وتنظيرا، الأستاذ الدكتور عبد المالك الشامي.
لو استدرجنا
أستاذنا للحديث عن مناقب اللغة العربية، ومزاياها ووضوح عباراتها وعذوبة جرسها
وثروة ألفاظها، لوافقَنا كما هي شنشنته، مِن أنها تتسع لأغراض النظم كما تتسع لأغراض
الغناء والرقص وأغراض المسرح وأغراض الأحاديث، والملاحم واللهجات، وأغراض النقد
البنيوي، وهذا ما يسميه بالمصطلح النقدي. فهو يلخصه بامتياز في دراسته المستفيضة: النقد
الأدبي في الأندلس بين النظرية والمصطلح.ص247، إذ يقول:" دراسة المصطلح
النقدي في واقع الأمر ليست إلا وجها من أوجه الدراسات النقدية. لأن الهدف منه
أساسا هو تلمس بعض العناصر التي تتحكم في صيرورة التيار العام للنقد الأدبي، والتي
لا تسمح بعض الأوجه من الدراسات النقدية أن تكشف عنها أو تبسطها بنوع من البحث
والاستقصاء، هذه العناصر التي تنطلق من الاحتكاك بالمكون الأساسي لصياغة الأفكار
النقدية وترجمتها، وهو مكون اللغة الاصطلاحية، وما يتضمنه هذا المكون من عناصر
ذاتية تهم وجود المصطلح الفعلي، ومن عناصر خارجية تهم أثر هذا الوجود على صياغة الفكر والفهم النقدي"
والأستاذ
عبد المالك الشامي، من خلال مؤلفه في النقد الأدبي، يمتد بأغراض القياس إلى عوالم أبعد
مما يخطر على بال القارئ العادي، كأغراض المصطلح والإبداع، ومصطلح الإطار النقدي
التقويمي، ومصطلح الإطار النقدي التقعيدي، ومصطلح الإطار النقدي التنظيري، ومصطلح
الشعر، ومصطلح البيان والتبيان، دون المساس بمفخرة اللغة الشاعرة، والموسيقى
النادرة، في وقت خسرنا فيه اللغة المعبرة، والموسيقى الحالمة.
خلاصته، ما يقوله فيه شعري قبل
قولي:
كَأنَّهُ صَحْوَةٌ جَذْلَى وَفَيْضُ رُؤَى *** لَوْ ذُقْتَهَا لَعَرَاكَ الشَّوْقُ
وَالْحَسَدُ